بدأت حرب الاستنزاف في يناير 1969 بوابل هائل مستمر من القذائف عبر القناة لمدة ثمانين يوما متصلة وعلي طول خط المواجهة بطول قناة السويس। وكانت القذائف تصب علي الجنود الاسرائيليين المتحصنين وراء ما يعرف بخط بارليف। وقد تسبب هذا الوابل المستمر من القذائف في خسائر جسيمة لدي الاسرائيليين دون ان يؤدي الي انهيار الحائط او الي اخلاء الاسرائيليين لمواقعهم। وقامت اسرائيل بهجمات انتقامية مضادة ليس فقط ضد القوات المصرية علي القناة ولكن ايضا داخل العمق المصري ضد اهداف استراتيجية وعسكرية علي طول الاراضي المصرية.
ولكن بالرغم من الخسائر في الارواح والممتلكات التي اوقعتها حرب الاستنزاف علي الجانب المصري، فقد كانت ضرورية من الجهتين المعنوية والعسكرية معا، فمعنويا كان لابد علي اثر الهزيمة الفادحة من اعادة بناء الثقة في النفس بشكل تدريجي، وكان لا بد من المحافظة علي سخونة خط المواجهة كاعلان مستمر من جانب مصر انها لا تنوي قبول الوضع الراهن.. وكان عبد الناصر يلح في كل خطبه علي ضرورة ازالة آثار العدوان ولم يكن يتحدث عن استسلام من اي نوع، لكنه اعلن قبوله لسلام قائم علي اعادة الارض مع حل عادل للقضية الفلسطينية.
في تلك الفترة ايضا، قدموا لعبد الناصر ما عرف بمشروع روجرز، والذي يقضي بوقف القتال في حرب الاستنزاف لمدة ثلاثة اشهر لتهدئة الامور والمشاعر، ثم يجري بعدها التفاوض بين الطرفين علي اساس انسحاب اسرائيل من سيناء مقابل السلام، ووافق عبد الناصر علي مشروع روجرز، وكان ذلك بعد ان سأل وزير حربيته الفريق اول محمد فوزي وقتها: كم من الوقت تحتاج لكي تنقل صواريخك الي خط قناة السويس لكي تبدأ حرب عبور القناة والوصول الي ممرات سيناء والتحصن بها وهي ممرات ميتلا والجدي (وهو نفس ما حدث في حرب العبور بعد ذلك) فأجاب محمد فوزي انه يحتاج الي شهرين، فقال عبد الناصر: سأعطيك ثلاثة! (وهي نفس فترة الامتناع عن القتال التي اشترطها مشروع روجرز) ورحل جمال عبد الناصر في 30 ايلول (سبتمبر) 1970 بعد ان توقف القتال في الشهر السابق آب (اغسطس) بموجب اتفاق وقف اطلاق النار وكانت الخطة 200 لعبور القناة الي الممرات تسير في مسارها المحدد لها كما وضعها محمد فوزي واعتمدها جمال عبد الناصر... حكي الأبطال عن الذكريات وسالت دموعهما حبا في تراب الوطن الغالي وكيف كان الجندي يعبر صائما حاملا علي ظهره مايزيد علي المئة كيلو دون أن يشعر طمعا في الشهادة , يجب أن يعلم الجيل الجديد حجم التضحيات التي قدمها الجنود لتعود أعلام الوطن عالية خفاقة علي كل شبر .

























